أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي

156

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

قال : يقول : يهب المال فتعلم الأبطال أنهم إذا اجروا إلى خطأ ، أو تعدّوا على ضعيف ، كان قادرا على معاقبتهم ، وكفّ أيديهم ، بالقوم الذين يعطيهم ماله ، فالأبطال معه طول زمنهم في نزال ، وان لم يكن ثمّ حرب ولا منازلة . وأقول : هذا الذي ذكره اصلح مما ذكره ابن جنّي والواحديّ ، وارى فيه وجها غير الوجوه المذكورة ، وهو إنه وصف الممدوح بكثرة العطاء ، فاستعار للمال جماجم ليقابل بها جماجم الأبطال ، وجعل كثرة تفريقه له ضربا فيها ، وذلك يوقع هيبة في قلوب الرجال ، فكأنه وقع في جماجم الأبطال . وقوله : ( الخفيف ) رجل طينه من العنبر الور . . . د وطين العباد من صلصال فبقّيات طينه لاقت الما . . . ء فصارت عذوبة في الزّلال قال : زعم أن بقايا طينه لاقت الماء فصارت عذوبة فيه ، والطيب ليس للعذوبة ، وكان تشبيهه بغير ذلك أحسن في هذا الموضع ، فلو قال : لاقى زهر الربيع أو نحو ذلك لكان أشبه من عذوبة الماء . وأقول : أن الطّيب يكون في الرائحة وفي الطّعم ، فوصف طينه الذي جبل منه بالطّيب في الرائحة ، فجعله لن العنبر ، ووصفه مع ذلك بالطّيب في الطّعم ، فجعله يطيب الماء عذوبة ، لأن التّرب ما يكون ملحا ، ومنه ما يكون مرّا ، ومنه ما يكون حلوّا طيبا ، والمياه إنما يكون طعمها طعم الأرض التي تكون فيها ، لمجاورتها واكتسابها